الشيخ محمد رشيد رضا

417

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا يَسْمَعُونَ بِها . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ * * * هاتان الآيتان مقررتان لمضمون المثل في الآيات قبلها ، وهو أن أسباب الهدى والضلال إنما ينتهي كل نوع منها بالمرء المستعد إلى كل من الغايتين ، والعرضة لسلوك كل من النجديين ، بتقدير اللّه والسير على سننه في استعمال مواهبه وهداياته الفطرية من العقل والحواس في أحد السبيلين ، ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) وقد أجمل تعالى هذا المعنى في الآية الأولى وفصله في الثانية بايجاز بديع فقال مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي أي من يوفقه اللّه سبحانه وتعالى لسلوك سبيل الهدى باستعمال عقله وحواسه بمقتضى سنة الفطرة وارشاد الدين فهو المهتدي الشاكر لنعمه تعالى الفائز بسعادة الدنيا والآخرة وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي ومن يخذله بالحرمان من هذا التوفيق فيتبع هواه وشيطانه في ترك استعمال عقله وحواسه في فقه آياته تعالى وشكر نعمه فهو الضالّ الكفور الخاسر لسعادة الدنيا والآخرة - لأنه يخسر بذلك مواهب نفسه التي كان بها إنسانا مستعدا للسعادة فتفوته هذه السعادة فوتا إضافيا في الدنيا وحقيقيا في الآخرة وفي الآية من محاسن البديع الاحتباك وهو حذف الفوز والفلاح من الجملة الأولى للعلم به من إثبات نظيره ومقابله وهو الخسران في الجملة الثانية ، وحذف الضال من الجملة الثانية لاثبات مقابله وهو المهتدي في الجملة الأولى . وأفرد المهتدي في الأولى مراعاة للفظ ( من ) وجمع الخاسرين في الثانية مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم . وحكمة افراد الأول الإشارة به إلى أن الحق المراد من الهداية الإلهية نوع واحد وهو الايمان المثمر للعمل الصالح وحكمة جمع الثاني الإشارة إلى تعدد أنواع الضلال كما تقدم بيانه مفصلا في تفسير قوله تعالى من سورة الأنعام ( 6 : 153 وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )